الشيخ محمد هادي معرفة

134

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قال تعالى - عن لسان نبيّه - : « وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » « 1 » . إنّ في القرآن مقاصد عالية ومطالب سامية ، هي ذوات أهداف عالميّة كبرى عبر الآفاق ومَرَّ الأيّام ، يجب بثّها والإعلام بها لكافّة الأنام ، ممّا لا يتمّ إلّا بتعميم نشر القرآن وعرضه على العالمين جميعا ، الأمر الذي لا يمكن إلّا بترجمة معانيه إلى كلّ اللغات الحيّة في العالم كلّه . أمّا ولو أهملت هذه الامّة بالقيام بهذه المهمّة ، وتقاعست عن الإتيان بواجبها الدينيّ الفرض ، وقصّرت دون أداء رسالة اللّه في الأرض ، فإنّ اللّه تعالى سوف يستبدل بهم قوما غيرهم ثمّ لا يكونوا أمثالهم « وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ » « 2 » . * * * وقد عرفت أنّ الأوائل كانوا يجيزون ترجمة معاني القرآن لأقوام كانوا جديدي عهد بالإسلام ، ممّن لم تكن لهم سابقةُ إلمامٍ باللغة العربيّة ، فكانت تُعْرَض عليهم الآية مصحوبةً بترجمتها ؛ لغرض إفهام معاني الذكر الحكيم وبيان مقاصده وتعاليمه الرشيدة لملأ الناس . لا شكّ أنّ في الهجرة الأُولى ( إلى الحبشة ) حيث عُرضت آي من القرآن الكريم على حاضري مجلس النجاشيّ من الوزراء وأعيان الدولة ، قد ترجمت ما تليت من آي الذكر الحكيم ، باللغة الحبشيّة ( الأمهريّة ) ؛ إذ لم يكن الحضور يحسنون العربيّة بطبيعة الحال ، وفي ذلك يقول صدر الأفاضل : وإنّي أعتقد أنّ جعفر بن أبي طالب عليه السلام كان يجيد اللغة الحبشيّة ، وهو الذي قام بترجمة الآيات التي تلاها حينذاك من سورة مريم « 3 » ، فكان ذلك التأثير العجيب في نفوس القوم ولا سيّما النجاشيّ نفسه ؛ حيث قال : « واللّه إنّ كلام محمّد ، لا يختلف شيئا عن تعاليم سيّدنا المسيح . . . » ، وبكى بكاء شديدا . وهكذا لمّا طلب الراجا ( رائك مهروق ) - الذي كان أميرا على منطقة الرور - من عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز ، مندوب الحكومة الإسلاميّة هناك سنة ( 230 ه . ق . ) أن يفسّر

--> ( 1 ) - . الأنعام 19 : 6 . ( 2 ) - . محمّد 38 : 47 . ( 3 ) - . عن مقال له في مجلّة التوحيد الإسلاميّ ، السَّنة الثانية ، العدد 9 ، ص 216 .